فخر الدين الرازي
243
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ في قوله تعالى وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا ] اعلم أنه تعالى لما ذكر أن الملك له يوم القيامة وأنه يحكم بينهم ويدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر وعده الكريم للمهاجرين ، وأفردهم بالذكر تفخيما لشأنهم فقال عز من قائل وَالَّذِينَ هاجَرُوا واختلفوا فيمن أريد بذلك ، فقال بعضهم من هاجر إلى المدينة طالبا لنصرة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وتقربا إلى اللَّه تعالى ، وقال آخرون بل المراد من جاهد فخرج مع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أو في سراياه لنصرة الدين ولذلك ذكر القتل بعده ، ومنهم من حمله على الأمرين . واختلفوا من وجه آخر فقال قوم المراد قوم مخصوصون ، روى مجاهد أنها نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون فقاتلوهم ، وظاهر الكلام للعموم . ثم إنه سبحانه وتعالى وصفهم برزقهم ومسكنهم ، أما الرزق فقوله تعالى : لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : لا شبهة في أن الرزق الحسن هو نعيم الجنة ، وقال الأصم إنه العلم والفهم كقول شعيب عليه السلام وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً [ هود : 88 ] فهذا في الدنيا وفي الآخرة الجنة ، وقال الكلبي رزقا حسنا حلالا وهو الغنيمة وهذان الوجهان ضعيفان ، لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل اللَّه بعد القتل والموت وبعدهما لا يكون إلا نعيم الجنة . المسألة الثانية : لا بد من شرط اجتناب الكبائر في كل وعد في القرآن لأن هذا المهاجر لو ارتكب كبيرة لكان حكمه في المشيئة على قولنا ، ولخرج عن أن يكون أهلا للجنة قطعا على قول المعتزلة . فإن قيل فما فضله على سائر المؤمنين في الوعد إن كان كما قلتم ؟ قلنا فضلهم يظهر لأن ثوابهم أعظم وقد قال تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ [ الحديد : 10 ] فمعلوم أن من هاجر مع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وفارق دياره وأهله لتقويته ونصرة دينه مع شدة قوة الكفار وظهور صولتهم صار فعله كالسبب لقوة الدين ، وعلى هذا الوجه عظم محل الأنصار حتى صار ذكرهم والثناء عليهم تاليا لذكر المهاجرين لما آووه ونصروه . المسألة الثالثة : اختلفوا في معنى قوله : وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ مع العلم بأن كل الرزق من عنده على وجوه : أحدها : التفاوت إنما كان بسبب أنه سبحانه مختص بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره وثانيها : أن يكون المراد أنه الأصل في الرزق ، وغيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة اللَّه تعالى وثالثها : أن غيره ينقل الرزق من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل / نفس الرزق ورابعها : أن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه به ، إما لأجل أن يخرج عن الواجب ، وإما لأجل أن يستحق به حمدا أو ثناء ، وإما لأجل دفع الرقة الجنسية ، فكان الواحد منا إذا رزق فقد طلب العوض ، أما الحق سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شيء كمالا زائدا فكان الرزق الصادر منه لمحض الإحسان وخامسها : أن غيره إنما يرزق لو حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل ، وتلك الإرادة من اللَّه ، فالرازق في الحقيقة هو اللَّه تعالى وسادسها : أن المرزوق يكون تحت منة الرازق ومنة اللَّه تعالى أسهل تحملا من منة الغير ، فكان هو خير الرازقين وسابعها : أن الغير إذا رزق فلو لا أن اللَّه تعالى أعطى ذلك الإنسان أنواع الحواس وأعطاه السلامة والصحة والقدرة على الانتفاع بذلك الرزق لما أمكنه الانتفاع به ، ورزق الغير لا بد وأن يكون مسبوقا برزق اللَّه وملحوقا به حتى يحصل الانتفاع . وأما رزق اللَّه تعالى فإنه لا حاجة به إلى رزق غيره ، فثبت أنه سبحانه خير الرازقين . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة الآية تدل على أمور ثلاثة : أحدها : أن اللَّه تعالى قادر وثانيها : أن غير اللَّه يصح منه أن يرزق ويملك ، ولولا كونه قادرا فاعلا لما صح ذلك وثالثها : أن الرزق لا يكون إلا حلالا لأن قوله